سيد محمد طنطاوي
17
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ، ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : ولَوْ شاءَ اللَّه لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى « 2 » . ثم أنكر - سبحانه - على أولئك الجاهلين اتخاذهم آلهة من دونه فقال : * ( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه أَوْلِياءَ ، فَاللَّه هُوَ الْوَلِيُّ ، وهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * . فأم بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكارى ، لإنكار وقوع الشرك منهم ونفيه بأبلغ وجه . أي : أن ما فعله هؤلاء المشركون من اتخاذهم آلهة من دونه - تعالى - شيء منكر بلغ النهاية في قبحه وفساده . قال صاحب الكشاف : « معنى الهمزة في * ( أَمِ ) * الإنكار وقوله : * ( فَاللَّه هُوَ الْوَلِيُّ ) * أي : هو الذي يجب أن يتولى وحده ، ويعتقد أنه المولى والسيد ، فالفاء في قوله * ( فَاللَّه هُوَ الْوَلِيُّ ) * جواب شرط مقدر ، كأنه قيل بعد إنكار كل ولى سواه . أي : إن أرادوا وليا بحق ، فاللَّه هو الولي بالحق ، لا ولى سواه « 3 » . * ( وهُوَ يُحْيِ ) * الموتى أي : وهو - سبحانه - الذي في قدرته إعادة الحياة إلى الموتى بعد موتهم . * ( وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي : وهو - تعالى - وحده الذي لا يعجز قدرته شيء ، وما دام الأمر كذلك ، فكيف اتخذ أولئك الجاهلون أولياء من دونه . ثم وجه - سبحانه - أمره إلى نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، بأن يرشد المؤمنين إلى وجوب تحاكمهم إلى شريعته - تعالى - إذا ما دب خلاف بينهم ، أو بينهم وبين أعدائهم ، فقال : * ( ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيه مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُه إِلَى اللَّه ) * . أي : عليكم أيها المؤمنون - إذا ما اختلفتم في أمر من الأمور ، أن تحتكموا فيه إلى شريعة اللَّه - عز وجل - ، وأن تقبلوا عن إذعان وطاعة حكمه - تعالى - . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى اللَّه والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ، ذلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا . . « 4 » .
--> ( 1 ) سورة السجدة الآية 13 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية 35 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 211 . ( 4 ) سورة النساء الآية 59 .